[align=justify]أخي الكريم سمير عمار
تحية طيبة مباركة وبعد
بداية نعم أن من أبناء مجانية التعليم، لكن دعنا نقف وقفة موضوعية عادلة، كم من زملائك الذين درسوا معك في المدرسة الابتدائية أكملوا دراستهم حتى التخرج من الجامعة، وكم من زملائك في الثانوية العامة نجح من المرة الأولى، وكم من زملائك في الجامعة تخرجوا مباشرة. أنت أب لثلاثة أولاد – بارك الله لك فيهم – وتدفع الضرائب التي تمول منها الدولة مجانية التعليم - أي أن مجانية التعليم مدفوعة من قبل الشعب لكن بأسلوب غير مباشر – وربنا يبارك في أبناءك ويكونوا من المتفوقين دائماً، فلماذا تتحمل أن تدفع من ضرائبك تكلفة الغير راغبين في التعليم والمتسربين ومحترفي الفشل؟؟؟؟ بينما إذا قصرنا مجانية التعليم على هؤلاء المؤهلين للتعليم فسوف يحصلون على تعليم أفضل يكون القيمة المضافة الاجتماعية والاقتصادية له أفضل بحيث تعود حتى على هؤلاء الذين استبعدوا من برنامج التعليم المجاني. أما هؤلاء الذين لا تنطبق عليهم معايير التمتع بالمجانية فعليهم أن يدفعوا ثمن فشلهم بدلاَ من أشترك أنا وأبنائي في دفعه معهم. إن العدالة الاجتماعية تعني المسئولية يا صديقي وليس مجرد جني الثمار بدون بذل الجهد.
من ناحية أخرى، أحب أن أعرف كم سوف تدفع للمدرسين الخصوصيين في الثانوية العامة لأبنائك الثلاثة قبل أن تدافع عن المجانية الكاذبة، أنا وأنت لم نحصل على دروس خصوصية لذلك تمتعنا بمجانية حقيقية وتعلمنا بشكل أفضل، الآن أليس من الأفضل لك ولي أن ندفع تلك الأموال إلى مؤسسة تعليمية يمكن حسابها من خلال آلية منظمة بدلاً من دفعها لأفراد لا نستطيع ولا نملك محاسبتهم ومراقبة أداءهم.
من ناحية أخرى فإن المجانية غير المرشدة للتعليم أدت إلى وجود عدد كبير من حاملي الشهادات الجامعية بدون فائدة ولا عمل، ويصر ذوي الطلاب على ضرورة الالتحاق بالجامعة لأبنائهم حتى ولو لم يكن موافق لطموح ورغبات وإمكانات الطالب. إن كليات الآداب في مصر تخرج أربعة آلاف خريج يحمل درجة الليسانس في الفلسفة، أي أنه كل عشرة سنوات نحصل على أربعين ألف من دراسي الفلسفة، بالله عليك أي مجتمع يحتاج إلى كل هذه العدد من المختصين بالفلسفة، حتى أثينا زمن أرسطو لم يكن فيها هذا الجحفل من دارسي الفلسفة، لكن أولياء الأمور يدفعون بأبنائهم دفعاً لارتياد مثل هذه التخصصات حتى يفتخر بأن أبنه يحمل البكالوريوس أو الليسانس حتى ولو أصبح أبنه عاطل بدلاً من أن يحصل على تدريب فني أو صناعي يؤهله للحصول على فرصة عمل. أنها ثقافة المجانية غير الرشيدة يا صديقي، المجانية التي تدافع عنها.
سؤالك الثاني وهو أين يوجد شخصي المسكين من خريطة البحث العلمي، بداية أحب أن أعرفك أنني اعتبر نفسي طالب علم، ولابد لطالب العلم من الاجتهاد في التحصيل حتى يستطيع أن يقف منتصب القامة، ومع ذلك فأنا لا أمتنع عن مساعدة أي من الزملاء الباحثين والطلاب في إجراء أبحاثهم ودراستهم، وأعتقد أن هناك من بين أعضاء المنتدى من يشهد لي بذلك، ورغم أني حالياً أعمل خارج الجامعة إلا أنني أنتهز الفرصة من آن إلى آخر للاشتراك في أي برنامج دراسي بطريقة الدوام الجزئي، وكل هذا يجعلني لا أزال على الأقل على هامش خريطة البحث العلمي، ولعل هذا يؤيده الأبحاث المنشورة ولو راجعتها في السيرة المهنية ستجدها مؤرخة حتى هذا العام، لذلك أعتقد أنك سوف تظلمني إذا اتهمتني بالتقصير عن السعي للبقاء في الخريطة.
أما عن السلوكيات التي تذكرها من بعض الأساتذة المشرفين فهي ليست مجرد سلوكيات مرفوضة بل هي واحدة من أسباب تدهورنا العلمي، يا أخي الأستاذ والطالب شركاء متساويين في العملية التعليمية ولو لم يكن هناك طلاب لما كان هناك داعي للأساتذة ولا للمؤسسة التعليمية، وعلاقة الشراكة تستلزم الاحترام المتبادل ووجود مرجعية للمحاسبة، لكن لسؤ الحظ هذه المفاهيم غائبة عن وعينا بالكلية، فعدد كبير جدا من الأساتذة يحسبون أنهم ظل الله على الأرض، وأنهم قد أوتوا مفاتح الغيب، ويتصرفون على هذا الأساس مع طلابهم، ويصبح همهم الأساسي هو سحق روح الإبداع الحرة لدى الطالب، ولعلك تذكر مشهد فؤاد المهندس (الأستاذ) وأحمد راتب (معيد وطالب دراسات عليا) في مسرحية "سك على بناتك" عندما قال الطالب للأستاذ: أنا عندي رأي، فقاطعه الأستاذ صارخاً: رأي !! هو أنت لك رأي.. هو أنت تعرف يكون لك رأي. أليس هذا ديدنهم وفلسفتهم، أنها ثقافة كاملة تحتاج لتغيير ثوري يعتمد على آليات للرقابة والمحاسبة والثواب والعقاب.
أما عن موضوع التعريب فهناك ثمة جانبان له، الجانب الأول هو تعريب المشاركة والجانب الآخر هو تعريب النص، والثاني أيسرهما فإن عمليات الترجمة والنشر رغم تكلفتها إلا أنها ممكنة، بل أن تكلفة أعداد أي فريق وطني في أفقر دولة عربية لأي مسابقة سوف يحصل فيها على المركز الأخير وميدالية التمثيل المشرف – لزوم حفظ ماء الوجه – تكفي لترجمة ونشر مكتبة كاملة في أحد فروع الطب أو الهندسة. إن تعريب المشاركة - أي رفع نسبة مشاركة العرب في الإنتاج العلمي العالمي - بأي لغة بصورة عامة وباللغة العربية بصورة خاصة هو التحدي الحقيقي، للأسف فإن النشر العلمي داخل لعالمنا العربي يخضع في كثير من الأحيان لقواعد المجاملة لذلك نجد العديد من الأبحاث التي لا ترقى لمستوى أبحاث الطلاب في الفرقة الجامعية الأولى منشورة في مجلات علمية عربية تزعم أنها محكمة، وهي فعلاً مجلات محكمة لكن من قبل من نشروا فيها، أي أنه دوار في حلقة مفرغة، ولهذا السبب فإن مجلاتنا العلمية لا تحظى باحترام الأجانب ولا نرى أي غربي أو هندي أو حتى مواطن من بلاد الواق واق ينشر فيها. والمأساة الملهاة أن هناك من أساتذة الجامعات من يفتخر بأن له ما يزيد عن مائة بحث منشور وهو صادق في ذلك فهي منشورة في المجلة التي تصدرها كليته ويقوم على تحريرها زميلة في الغرفة، والكارثة أن تجد زميل له مجموع ما نشره هو عشرة أبحاث لكنها منشورة في كبريات المجلات العلمية العالمية، لكن لأن العلم يكيل بالباذنجان فقط في بلادنا فإن الأول سوف يحظى بالترقية وربما يصبح عميداً للكلية أو المعهد في يوم ما، أما الثاني فعليه غضب الله ونقمته، أليس من الكفار لأنه ينشر أبحاثة في مجلاتهم.[/align]